محمد عبد الله دراز
288
دستور الأخلاق في القرآن
كهذا ، مع ملاحظة صفته القهرية ؟ . . تعالى اللّه عن ظلم كهذا . ومن ثمّ نجد أنّ القرآن ، حينما أنطق المؤمنين بهذا الدّعاء : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا « 1 » - لم يلبث النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن أضاف إليه هذا التّعليق المطمئن : « قال - اللّه - قد فعلت » « 2 » . ج - العنصر الجوهري في العمل . لقد تحدثنا حتّى الآن عن العلاقة الّتي تربط الفرد المسؤول بالقانون ، وقد رأينا أنّ المسؤولية لا يمكن أن تثبت ، أو تسوغ في نظر القرآن إلّا بشرط أن تذيع شريعة الواجب ، ويعرفها كلّ ذي علاقة بها ، وأن تكون حاضرة في عقله لحظة العمل . ولكنا ، فضلا عن علاقتنا بالشريعة ، لنا علاقة أخرى بالعمل ، فالأولى « علاقة معرفة » ، وهذه « علاقة إرادة » . والضّمير الكلي للفرد الأخلاقي يحتوي هذه العلاقة المزدوجة في آن ، ومثله كمثل الفنان الّذي يرسم لوحته ، وهو ينظر إلى النموذج ، سواء في مطابقته له ، أو في استقلاله عن قواعده . وعليه ، فإنّ المحكمة الّتي تهتم بأن تنسب أعمالا إلى أشخاص لا تستطيع أن تصدر في هذا حكما عادلا دون أن تلاحظ الطّريقة الّتي تقع بها أعمالنا ، وعلاقتها بشخصنا . فالعمل اللاإرادي يجب أن يستبعد - بادئ ذي بدء - من مجال المسؤولية ،
--> ( 1 ) البقرة : 286 . ( 2 ) انظر ، صحيح مسلم : 1 / 116 ح 126 ، المسند المستخرج على صحيح مسلم : 1 / 195 ح 327 ، تفسير القرطبي : 3 / 421 ، تفسير الطّبري : 3 / 144 ، تفسير ابن كثير : 3 / 468 ، صحيح ابن حبان : 11 / 458 ح 5069 ، مسند أبي عوانة : 1 / 75 ح 219 ، سنن التّرمذي : 5 / 221 ح 2993 ، السّنن الكبرى : 6 / 207 ح 11059 ، شعب الإيمان : 2 / 462 ح 2407 ، حلية الأولياء : 7 / 105 .